سياسة

من رئيس الحكومة الفعليّ، الغنوشي أم المشيشي ؟

مدفوعا بائتلاف برلمانّي تقوده التموقعات السياسية لا المصلحة الوطنيّة، مرّ رئيس الحكومة هشام المشيشي من موقف المُتباكي بشأن “تعطيل” حكومته والمتشبّث بصلاحياته، الى سياسة الهروب الى الأمام عبر اقالة 5 وزراء وضمّ حقائبهم الى وزراء اخرين بالنيابة، الأمر الذي كان الخطّة باء منذ انطلاق الأزمة، ومن المنتظر أن يعين المشيشي الأسماء المقترحة في التحوير الوزراي كمُستشارين بالقصبة- في سابقة غريبة: حكومة عرجاء نصفها مقال والاخر بالنيابة، وزراء مُنحت لهم الثقة ولم يصبحوا وزراء بعد، كتّاب دولة وجدوا أنفسهم وزراء الصدفة، وزير الشؤون الدينية تمنح له حقيبة أملاك الدولة…

الأزمة سياسية والحلّ لا يكون الا سياسيا، لذلك فان بعض القراءات تشير الى أن حركة المشيشي الأخيرة ماهي الا تأكيد على ارتباكه وتخبّطه، وأن استقالته ماهي الا مسألة وقت رغم أنه -وحلفاؤه السياسيين نفوا هذه الفكرة الانهزامية قطعيا. ماالذي يُمكن لرئيس الحكومة أن يغيره بحكومة بالنيابة وأي وزن سياسي لهذا الفريق الحكومي المنقوص الذي يقود البلاد في أزمة صحية عالمية وأزمة اقتصادية محليّة؟ ان مواصلة عمل حكومة المشيشي بشكلها الذي رفع عنه الحجاب اليوم أمر مستحيل. الخيار الثاني سيكون الرضوخ لرئاسةالجمهورية وهو أمر مستبعد لأنه سيترك هشام المشيشي دون غطاء سياسي، لن يقبل الحزب الاسلامي وقلب تونس والكرامة بذلك وان سار المشيشي عكس رغباتهم فلن يضمن مواصلة دعمهم له. وبما أنّ هذا الخيار مستبعد والكلّ يواصل عناده على حساب استقرار البلاد والمجموعة الوطنية، فانّه لا خاسر سوى هشام المشيشي الذي -في النهاية- ليس شخصا منتخبا ولا شرعية شعبية له، وهو قابل للاستبدال. من جانب قرطاج، فان قيس سعيد لن يرضى بأقل من استقالة المشيشي الذي يرى أنه خانه وتحالف مع أعدائه السياسيين رغم وعده بتشكيل حكومة مستقلة تماما. وان قبل رئيس الدولة باعفاء الاربعة وزراء محلّ الجدل، فان العلاقة بين قرطاج والقصبة ستظل ملوثة وخالية من الثقة من الجانبين ليصبح التعايش أمرا مستحيلا بسبب ماضي “الخيانات” والاستقواء والمرور بالقوة.

حتى استقالة هشام المشيشي لن تكون الخلاص، لأن المشيشي يخفي ورائه صراعا بين قرطاج وباردو وتحديد بين قيس سعيد وراشد الغنوشي زعيم حركة النهضة رأسا. المشيشي ليس الا لاعبا تدفعهُ النهضة وحلفاؤها ولا يمكن أن يكون الرجل أصل كل الشرور ليتلخص حل الأزمة السياسية العميقة في رحيله. الأمر الذي يعمل من أجله بعض النواب في صمت : لائحة اللوم وسحب الثقة من الغنوشي التي قاربت المائة توقيع.العطالة في الحكومة الحالية هي خطأ وضع المشيشي نفسه فيه، حين قرر بمعيّة ائتلافه البرلماني يوم المصادقة على الحكومة الأصلية في 1 سبتمبر 2020 تحويرا وزاريا يقصي وزراء الرئيس. ان هذا التحوير الوزراي ليس فكرة وليدة اليوم حتى يتم تصويرها على أنها مأزق دستوري، انها بالأساس مأزق سياسي بين الرئاسة ومعارضيها الذين دفعوا بالبلاد الى هذه الأزمة ثمّ صوروا للرأي العام أن رئيس الجمهورية برفضه التحوير هو من يعطّل الدولة.

كلّ الخطوات القادمة ستكون محاولات عبثية لاطالة الأزمة حتى يخرج منها “فائز” و”خاسر”، وما اللجوء الى الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين مع المعرفة بأنها في غير اختصاصها الى دليل على ذلك. رئيس الحكومة يحيط نفسه بشخصيات سياسية لا تدعو الى التهدئة والحوار وتمتهن رمي الاتهامات ودفع الأمور نحو مزيد من الـازم عوض اقتراح حلول وسط وتسويات. حكومة مصغرة بـ16 وزيرا، عدم الاستقالة، الحاق الوزراء الجدد للحكومة عبر خطة مستشار حكومي: كلها تصريحات “سربّها” الحزام السياسي للمشيشي الذي أصبح ناطقا رسميا للقصبة يجر بها الى مزيد من التوتر والتصادم مع رئاسة الدولة دون أن تقدم رئاسة الحكومة من جهتها توضيحات شافية عن رؤيتها لحلّ الأزمة. من يقود القصبة، هشام المشيشي أم النهضة وقلب تونس؟

من جهة أخرى, لتحكيمُ خلال هذه المهزلة-الأزمة ال الى رئيس الجمهورية قيس سعيد المُتمسك بأنه حامي الدستور، ومن لا يريد منح الرئيس هذه الرفاهية لجأ الى بعض الحلول هنا وهناك دون نتيجة تُذكر: الاستنجاد بخبراء القانون الدستوري، مراسلة المحكمة الادارية، اللجوء الى الهيئة الوقتية لمراقبة القوانين.. سُدى، لا أحد من هؤلاء يملك دور المحكمة الدستورية التي تواصل حركة النهضة ومن يتحالف معها تعطيلها منذ سنوات. اليوم، كان من المفترض أن يكون مشروع قانون المحكمة الدستورية على طاولة النقاش في خلية الأزمة بمجلس النواب بعد ثمان جلسات عامة فاشلة لانتخاب أعضاء المحكمة الدستورية لكن تم رفض مقترحات تعديل القانون المتعلق بانتخاب بقية اعضاء المحكمة الدستورية وتأجيل عرضه على الجلسة العامة. المحكمة الدستوية ليست هيئة استشارية تكتفي باسداء النصائح بل هي جهاز حاسم يصدر قرارات، تمنع السلط التشريعية والتنفيذية من خرق الدستور. أعاد الأزمة الحالية أهمية المحكمة الدستورية الى الواجهة، لعدم وجود الية قضائية نوعية يسهر على تطبيقه ولا تكون تحت سلطة القصبة أو قرطاج. تستمد المحكمة الدستورية أهمّيتها في المرحلة الحالية- وأي مرحلة، من أنها عماد إقامة دولة القانون والمؤسّسات، وضمان لعلوية الدستور ولحماية المسار الديمقراطي. ممارسة للسلطة في غياب المحكمة الدستورية هي قانويا ممارسة منقوصة من الشرعية لا مراقبة فيها للسلط الثلاث المتناحرة. لمثل هذه المآزق نحتاجُ محكمة دستورية !

businessnews

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى